Skip to main content

الانعكاس

ريف المملكة المتحدة.

إحدى ضواحي كوليتشستر .

مايو/1993م

قلتُ لها وأنا أطل من النافذة

-لا تَركضي ولا تتأخري، مفهوم؟.-

ليس أني لا أحب رؤيتها سعيدة لكن مهما كَبِرت تبقى أختي الصغيرة، وبما أن أمي توفيت وهي تُنْجبها اعتدت التحدث إليها كما كانت أمي تُحَدثني.

وأصبح حِمْلي أثقل بعد وفاة وَالِدنا قُبَيْل عام الأمر الذي أثر بها أكثر من أي شيء آخر.

أكاد لا أصدق أن سارة بعمر العشرين الآن!

هذا يشعرني أني عجوز اقتربت منيتها رغم أني ثلاثينية،

ربما لا أصدق ذلك لأن سارة لم تفقد روح الطفولة حتى اليوم، ما زالت تركض في الحقل وتجمع الأزهار كأن الزمن متجمد في قلبها، إنها حنونة ونشيطة وبها براءة لا تحدها حدود.

بعد بضع ساعات فُتِحَ الباب وصاحت سارة بنشاط

-لقد عدت. هل افتقدتني؟-

-نعم، أفتقدتك. لقد تأخرتي وبالتفكير بالأمر أنت تتأخرين أكثر كل يوم! اعترفي ماذا تفعلين بالخارج؟

همهمت سارة ثم أردفت بابتسامة مرحة

-هذا سر لا يمكنني البوح به لا تقلقي ما أن يوافق سأخبرك الأمر برمته ولن تصدقي هذا ستكون مفاجأة عظيمة حضري نفسك، وبالمناسبة صورة العائلة التي كانت على الحائط. يمكنك إعادتها حيث كانت وأعتذر لأني نزعتها صارخة بوجهك.-

-أنا سعيدة أنك تخطيت أمر وفاة والدي، هذا يُريحني.

قلت لها تلك الكلمات ولم أتوقع ما سيؤول إليه الأمر.

ظلت سارة تختفي كل يوم لثلاث ساعات دون حجة مقنعة لكن هذا لن يحدث اليوم.

قررتُ تعقبها وكشف الحقيقة.

كانت صادقة عندما قالت أنها لا تبتعد كثيرا، أراها من هنا. لقد توقفتْ بين الأشجار جالسة قرب البحيرة التي لا تبعد عن البيت سوى بضع عشرات من الأمتار، من تنتظر يا ترى؟. سأراقب بهدوء.

هاه؟ إلى من تتحدث؟.

سارة قالت بوضوح وأنا اسمعها

-هيا يا أبي على أختي أن تعلم أنك على قيد الحياة، إنها ابنتُك أيضا! وافق أرجوك-

رجفت في مكاني بينما تنطق سارة بهذه العبارات

خرجتُ من مخبئي وأقتربتُ منها بهدوء ثم لفظت اسمها بتلعثم.

-سـ. سارة-

التفتتْ متفاجئة لتجدني أقول ووجهي لا يفسر

-ماذا تفعلين؟-

ابتسمت سارة بسعادة غامرة وأطلقت ضحكة بريئة وقالت بحماس

-لقد جئتِ بنفسك يال سخرية القدر، انظري وتأملي هذا أبي حي إنه حي-

-اسمعي. سارة، لا. لا أحد هنا!-

نطقت بتلك العبارة بوجه مظلم أُخبر سارة أنه لا أحد معانا ولا يوجد سِوانا هنا. بينما هي تشير إلى الفراغ وتقول بإصرار “هذا أبي”

أردفت سارة

-بلى يوجد. اقتربي وانظري. انظري إلى البحيرة

اقتربت لأنظر وسارة تترقبني ببهجة ثم قلت والهلع يتملكني دون النظر لعينيها.

-سارة إنه انعكاسك وحسب، أبي مات منذ عام.-

ثم أدركت أمرا فجأة فأردفت

-مهلا! أكنتِ تأتين هنا طوال العام الفائت وتكلمين نفسك؟-

أظلم وجه سارة وبدا كالجليد وهي تقول بنبرة هادئة

-مـ.ماذا؟ انعكاسي؟. لا، لم أفعل. بل أنتِ من فعل، هذا ليس انعاكسي.

إنه انعكاسك-

تراجعت سارة للخلف ببطء حتى سقطت في البحيرة مددتُ يدِي أصرخ باسمها

وفجأة الغابة والبيت والأرض. كل شيء يختفي ويتناثر كماء مسكوب

صرخت عاليا.

-آه رأسي يؤلمني ماذا يحدث؟. أسمع صوت سارة تناديني –

-آستريد.-

-آستريد.-

-آستريد.-

-سيدة آستريد.-

-آه سارة؟- قلتُ ورأسي يكاد ينفجر.

-آهٍ ليس مجددا، قلت لك قبلا. أنا لستُ سارة.

عزيزتي آستريد كم من الوقت ستأخذين لغسل وجهك؟.

نظرتْ آستريد إلى يديها الممتلئتين بالماء وإلى ما حولها في هذه الغرفة البيضاء وإلى المرأة صاحبة المعطف الأبيض أمامها وصرخت بجنون وهلع

-سـ. سارة أختي. أين أختي؟ ماذا صنعتم بها؟-

تنهدت الطبيبة وقالت بتملل

-أرجوك سيطري على أعصابك أخبرتك بالفعل “لا وجود لسارة” لقد وافقتِنِي على هذا بالأمس أتذكرين؟. إذن كيف تشعرين اليوم؟

-سـ.سارة. سارة هل تسمعين صوتي؟ أنا آستريد أختك هيا أخرجي يا سارة.-

قال آستريد هذا فقط بذات تعابير الهلع التي تسود ملامحها لكن الطبيبة لم تبدي أي علامة على الاستغراب، بل تنهدت مجددا ثم قالت:

-لا فائدة ترجى من هذا حسنا لا جديد، إنه السيناريو الصباحي المعتاد. تغسل وجهها لتتوهم عائلتها التي ماتت غرقًا في انعكاسها-

اكتفت الطبيبة بهذه الكلمات والتفتت للورقة لتدون ملاحظات اليوم

الورقة التي تحملها الطبيبة كتب عليها

الاسم:آستريد غرلدون

العمر:51 عاما

التاريخ:أكتوبر 2010

الموقع:كولتشيستر مشفى الأمراض العقلية والعصبية

وكتبت الطبيبة في خانة الملاحظة

“لا جديد، آستريد غرلدون لم تقترب من التعافي حتى. انتهى.”

كان انعكاسا جميلا. وربما لكل منا انعكاسه الجميل، انعكاس رغبات وأفكار وأحلام ومخاوف وأماني وأخطاء. وربما إن سكننا وتحكم بنا سيردم حياتنا.لذا علينا دوما تذكر أن تلك الانعكاسات هي خيال، خيال لا يمت للحقيقة بصلة.

-تمت-


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *